محمد بن جرير الطبري

124

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الوقت الذي جعله الله لهم وقتا للهلاك . القول في تأويل قوله تعالى : يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يقول تعالى ذكره معرفا خلقه ما أعد لحزبه وأهل طاعته والإيمان به وبرسوله ، وما أعد لحزب الشيطان وأوليائه والكافرين به وبرسله : يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يقول : إن يجئكم رسلي الذين أرسلهم إليكم بدعائكم إلى طاعته والانتهاء إلى أمري ونهيي ، مِنْكُمْ يعني : من أنفسكم ، ومن عشائركم وقبائلكم . يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي يقول : يتلون عليكم آيات كتابي ، ويعرفونكم أدلتي وأعلامي على صدق ما جاءوكم به من عندي ، وحقيقة ما دعوكم إليه من توحيدي . فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ يقول : فمن آمن منكم بما أتاه به رسلي مما قص عليه من آياتي وصدق واتقى الله ، فخافه بالعمل بما أمره به والانتهاء عما نهاه عنه ، على لسان رسوله . وَأَصْلَحَ يقول : وأصلح أعماله التي كان لها مفسدا قبل ذلك من معاصي الله بالتحوب منها . فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ يقول : فلا خوف عليهم يوم القيامة من عقاب الله إذا وردوا عليه . وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ . على ما فاتهم من دنياهم التي تركوها ، وشهواتهم التي تجنبوها ، اتباعا منهم لنهي الله عنها إذا عاينوا من كرامة الله ما عاينوا هنا لك . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا هشام أبو عبد الله ، قال : ثنا هياج ، قال : ثنا عبد الرحمن بن زياد ، عن أبي سيار السلمي ، قال : إن الله جعل آدم وذريته في كفه ، فقال : يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ثم نظر إلى الرسل فقال : يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ثم بثهم . فإن قال قائل : ما جواب قوله : إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ قيل : قد اختلف أهل العربية في ذلك ، فقال بعضهم في ذلك : الجواب مضمر ، يدل عليه ما ظهر من الكلام ، وذلك قوله : فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ وذلك لأنه حين قال : فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ كأنه قال : فأطيعوهم . وقال آخرون منهم : الجواب : " فمن اتقى " ، لأن معناه ، فمن اتقى منكم وأصلح قال : ويدل على أن ذلك كذلك ، تبعيضه الكلام ، فكان في التبعيض اكتفاء من ذكر " منكم " . القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ يقول جل ثناؤه : وأما من كذب بأنباء رسلي التي أرسلتها إليه وجحد توحيدي وكفر بما جاء به رسلي واستكبر عن تصديق حججي وأدلتي ، ف أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ يقول : هم في نار جهنم ماكثون ، لا يخرجون منها أبدا . القول في تأويل قوله تعالى : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ يقول تعالى ذكره : فمن أخطأ فعلا وأجهل قولا وأبعد ذهابا عن الحق والصواب مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً يقول : ممن اختلق على الله زورا من القول ، فقال إذا فعل فاحشة : إن الله أمرنا بها . أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ يقول : أو كذب بأدلته وأعلامه الدالة على وحدانيته ونبوة أنبيائه ، فجحد حقيقتها ودافع صحتها . أُولئِكَ يقول : من فعل ذلك فافترى على الله الكذب وكذب بآياته ، أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ يقول : يصل إليهم حظهم مما كتب الله لهم في اللوح المحفوظ . ثم اختلف أهل التأويل في صفة ذلك النصيب الذي لهم في الكتاب وما هو ، فقال بعضهم : هو عذاب الله الذي أعده لأهل الكفر به . ذكر من قال ذلك . حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا مروان ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي صالح ، قوله : أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ أي من العذاب . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو أسامة ، عن إسماعيل ، عن أبي صالح ، مثله . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ